الراغب الأصفهاني

39

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

متابعة المحبوب قال أعرابي : وإن تدعي نجدا أدعه ومن به * وإن تسكني نجدا فيا حبّذا نجد « 1 » وقال المهلّبي : إن كنت أزمعت الرحيل * فإنّ رأيي في الرحيل « 2 » أو كنت قاطنة أقمت * وإن منعت دنوّ سولي كالنّجم يصحب في المسير * ولا يزور لدى النزول معاتبة من ذكر شوقه يا من شكا عبثا إلينا شوقه * فعل المشوق وليس بالمشتاق لو كنت مشتاقا إليّ تريدني * ما طبت نفسا ساعة بفراق وحفظتني حفظ الخليل خليله * ووفيت لي بالعهد والميثاق تفضيل التزاور على التجاور قال عمر رضي اللّه عنه : زاوروا ولا تجاوروا وقال : إدمان اللقاء سبب الجفاء . وفي المثل : من يتجمّع يتقعقع ، أي تقع الخصومة بين المتجاورين . الحثّ على تقليل الزيارة وكراهة مداومتها قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : زر غبا تزدد حبا . قال شاعر : اغبب زيارتك الصديق * يراك كالشّيء استجدّه « 3 » إنّ الصديق يملّ من * أن لا يزال يراك عنده وقيل : قلّة الزيارة أمان من الملالة وكثرة التعاهد سبب التباعد . قال أبو تمّام : وطول مقام المرء في الحيّ مخلق * لديباجتيه فاغترب تتجدّد « 4 » فإنّي رأيت الشمس زادت محبّة * إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد « 5 »

--> ( 1 ) يقول : إن القلب لا يهوى سواكم ، وأنه لا يسكن إلا حيث تسكن المحبوبة . يقيم في نجد إن أقامت ويرحل عن نجد إن رحلت ، وإن همّت بالرحيل همّ به كذلك . ( 2 ) يقول : إن القلب لا يهوى سواكم ، وأنه لا يسكن إلا حيث تسكن المحبوبة . يقيم في نجد إن أقامت ويرحل عن نجد إن رحلت ، وإن همّت بالرحيل همّ به كذلك . ( 3 ) أغبب زيارتك : أي لا تكثر من الزيارة ، والإغباب الإقلال . ( 4 ) ديباجتيه : الديباجة الوجه والثوب ، وديباجة الكتاب : فاتحته - يقول : في الاغتراب تجدّد وعلى المرء أن لا يطيل في الحيّ لئلا يعتريه الخمول . ( 5 ) ليست بسرمد : أي ليست أبديّة فهي تشرق ثم تغيب ، وفي هذا التحوّل تجدّد .